السودان في عام جديد: حلول قادمة أم انتظار قد يطول؟
مع اقتراب الحرب الدائرة بالسودان من دخول عام جديد، تتصاعد التساؤلات عن مآلات صراع أزهق الأرواح ودمر البنى التحتية، في ظل فشل ذريع لجهود الوساطة الدولية.
تصاعد الأزمة في السودان
مع اقتراب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع من دخول عام جديد، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الصراع الذي أزهق الأرواح ودمر البنى التحتية، وسط فشل واضح للجهود الدولية والإقليمية.
شهدت الأشهر الماضية تحولات سياسية وميدانية عميقة، أبرزها استمرار الانتهاكات ضد المدنيين، وتفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية، وتردد الموقف الدولي، خاصة من الولايات المتحدة، تجاه الأطراف المتحاربة.
الحرب الحالية، التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان 2023 بسبب خلافات حول دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الصراعات السودانية منذ استقلال البلاد عام 1956. وقد خلفت هذه الحرب عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين واللاجئين، لتصبح واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم وفق تقارير الأمم المتحدة.
عام جديد من ويلات الحرب
تتباين التوقعات حول مستقبل السودان، لكنها تتفق على أن الطريق نحو السلام الحقيقي طويل ومرهون بعوامل ومصالح داخلية وإقليمية ودولية، مع ترجيح أن أي اتفاقات قريبة ستكون مؤقتة.
توقعات المسؤولين والخبراء
يتوقع كاميرون هدسون، المسؤول السابق في البيت الأبيض، أن السلام الجوهري في السودان سيستغرق وقتاً ويتطلب جهوداً دبلوماسية مستمرة وأموالاً لإعادة بناء البلاد، مشيراً إلى أن العملية طويلة الأمد وقد تمتد لما بعد عام 2026. ومع ذلك، يرى أن وقف إطلاق النار قد يكون ممكناً خلال الأشهر المقبلة.
أما الكاتب والمحلل السياسي ضياء الدين بلال، فيرى أن "كل السيناريوهات متوقعة، السيء منها والجيد"، وأن المستقبل يعتمد على التطورات الإقليمية وقدرة السودانيين على التقارب وتجنب المخاطر التي تهدد وحدة بلادهم.
مستقبل الاتفاقات والمبادرات
يرى أستاذ التاريخ الأفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري الأميركية، عبد الله إبراهيم، أن مستقبل السودان يعتمد على مبادرة للسلام تراعي حقائق الدولة بعد الحرب، ويتساءل: "ما منزلة الدعم السريع في سودان ما بعد الحرب؟"
ويوجه إبراهيم انتقادات لمبادرة الرباعية، التي تستبعد العسكريين وتدعو إلى حكومة مدنية، واصفاً ذلك بأنه "سيناريو معاد" ساهم في اندلاع الحرب الحالية.
اللواء ركن أسامة عبد السلام، المدير الأسبق لمركز البحوث والدراسات الإستراتيجية بالقوات المسلحة السودانية، لا يتوقع اتفاقيات قريبة، مشيراً إلى أن "المليشيا تستغل كلمة الهدنة للحصول على الشرعية والوقت". ويضيف أن أي تفاوض لن يحدث إلا بعد تمكن الجيش من فرض التوازن والتفوق النوعي.
الانهيار الاقتصادي وتأثير الحرب
تسببت الحرب في انهيار اقتصادي شامل، حيث استهدفت المليشيا القطاعات الحيوية والبنية التحتية، ما أثر سلباً على الأداء الاقتصادي في ظل إنفاق الدولة على الجهد الحربي.
أسباب الانهيار
يوضح السياسي السوداني التجاني سيسي أن الاقتصاد السوداني تعرض لاختلالات جسيمة بسبب الأزمات الأمنية. ويشير إلى أن المليشيا استهدفت قطاعات الدولة الحيوية، خاصة الخدمات العامة، مما أدى إلى تدهور مساهمتها في الناتج القومي.
حجم الخسائر
- القطاع الصناعي: تدمير واسع.
- القطاع الخدمي: تدمير مرافق الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والبنوك.
- القطاع التقليدي: تراجع الإنتاج وتدمير الصادرات نتيجة سيطرة الدعم السريع.
- قطاع النفط: انخفاض الإنتاج وتهديد المنشآت الحيوية.
عودة النازحين وتأثيرها
تشير التحليلات إلى أن العودة الطوعية للنازحين بدأت في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، لكن العودة الكاملة تعتمد على إعادة تأهيل المرافق الخدمية الحيوية مثل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
فشل الوساطات الدولية
يشير عمر أحمد أبينزا، مدير البرامج بمركز حماية المدنيين، إلى أن المجتمع الدولي فشل في منع الكارثة، مع وجود جهود مبذولة لكنها غير منسقة، مما سمح للأطراف المتحاربة بالتحايل على الوساطات.
أسباب الفشل
وفق كاميرون هدسون، فشل الدبلوماسية الدولية يعود لتعدد المنتديات وغياب التنسيق، حيث يمكن للأطراف الانتقال بين منصات الوساطة المختلفة لتحقيق مصالحهم.
المبادرات العربية والدور الإقليمي
يرى ضياء الدين بلال أن الدول العربية يمكن أن تلعب دوراً إيجابياً، لكن ذلك مرهون بانتهاء الصراعات العربية الداخلية وتحقيق التفاهم بين هذه الدول.
الموقف الأميركي والتردد الدولي
يعتبر الموقف الأميركي نقطة خلاف بين الخبراء. فبينما يرى بعضهم التردد ناتج عن مصالح اقتصادية وسياسية، يرى آخرون أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دوراً أكبر في إنهاء الحرب عبر الضغط على الأطراف الداعمة للمليشيا ومنع استمرار العنف.
تفسير التردد الأميركي
عبد الله إبراهيم يوضح أن التردد نابع من اعتبار الطرفين المتحاربين ذوي "الاستحقاق نفسه"، إضافة إلى أن الجيش والدعم السريع مرتبطان بسيرة غير مريحة في واشنطن، وتباين المواقف بين الكونغرس والبيت الأبيض والخارجية الأميركية يزيد من التعقيد.
تدخل محتمل من ترامب
كاميرون هدسون يعبر عن تفاؤله بإمكانية تدخل الرئيس الأميركي السابق ترامب بشكل أكثر نشاطاً، خاصة مع ضغط السعودية، لكنه يؤكد أن السلام الحقيقي طويل الأمد وسيتطلب جهوداً دبلوماسية مستمرة.
يبقى السؤال: هل يشهد السودان حلولاً حقيقية أم استمراراً في الانتظار والويلات؟
