الحرب الداخلية بين قسد وسوريا: تحليل شامل للأسباب والتداعيات والمستقبل
يُعتبر الصراع بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية أحد أبرز النزاعات الداخلية في سوريا المعاصرة، ويعكس تداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والدولية في البلاد. لم يقتصر الصراع على تبادل السيطرة على الأراضي، بل امتد إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، حيث دفع المدنيون ثمنًا كبيرًا من النزاع.
أولًا: القوات المشاركة في الصراع
قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
تأسست قسد في عام 2015، كمظلة عسكرية تضم فصائل كردية وعربية وسريانية، مع اعتماد وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) كهيكل رئيسي. تلعب قسد دورًا أساسيًا في حماية مناطق شمال شرق سوريا من التنظيمات الإرهابية، وفي المقابل تدير هذه القوات مناطق تحت سيطرتها بشكل شبه مستقل.
تتمتع قسد بدعم عسكري وسياسي من الولايات المتحدة والتحالف الدولي، مما منحها ميزة على الأرض في مواجهة تنظيم داعش والفصائل الأخرى. وقد استخدمت قسد هذا الدعم لتعزيز البنية الإدارية والخدمية في المناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك الصحة والتعليم والمرافق العامة.
الحكومة السورية
تعتبر الحكومة السورية أن وجود قسد يشكل خرقًا للسيادة الوطنية، خصوصًا في مناطق النفط والموارد الحيوية شرق البلاد. تسعى دمشق لاستعادة السيطرة الكاملة على هذه المناطق، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية.
الحكومة السورية، بدعم من حلفائها مثل روسيا وإيران، تسعى إلى إيجاد حلول سياسية وعسكرية تضمن السيطرة المركزية على البلاد، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب الدعم الدولي لقسد ووجود قوات أجنبية على الأراضي السورية.
ثانيًا: جذور الحرب الداخلية
يمكن تقسيم أسباب الصراع بين قسد وسوريا إلى عدة مستويات رئيسية:
- الهوية والقومية: المطالب الكردية بالإدارة الذاتية، مقابل المخاوف السورية من الانفصال.
- السيادة والسلطة: السيطرة على الأراضي والموارد، ورفض أي إدارة خارجية غير مركزية.
- العوامل الدولية: الدعم الأمريكي لقسد، والدور الروسي والإيراني كضامن لاستقرار الدولة السورية.
- الاقتصاد والموارد: النفط والغاز والمياه، التي تعتبر شريان الحياة الاقتصادي للمناطق الشرقية.
هذه الأسباب تتفاعل بشكل مستمر، مما يجعل أي تصعيد أو تهدئة مؤقتة مرهونًا بالسياسة الإقليمية والدولية أكثر من كونه قرارًا داخليًا محليًا.
ثالثًا: البعد العسكري للصراع
يشمل البعد العسكري عدة عناصر:
- الانتشار العسكري: تتمركز قسد في مناطق واسعة من الحسكة، دير الزور والرقة، مع بنية عسكرية متقدمة ودعم جوي من التحالف الدولي.
- التكتيكات العسكرية: تعتمد قسد على الدفاعات الثابتة، المراقبة الجوية، وتدريب القوات المحلية.
- الاشتباكات المتفرقة: رغم عدم وجود حرب شاملة، تحدث بين الحين والآخر اشتباكات محدودة بين الجيش السوري ومسلحي قسد، غالبًا على نقاط نفوذ أو طريق إمدادات.
كما تلعب الضربات الجوية، والمراقبة عبر الطائرات الأمريكية والروسية، دورًا كبيرًا في الحد من تصعيد الصراع المباشر.
رابعًا: البعد السياسي
يعتبر البعد السياسي أكثر تعقيدًا، حيث تسعى قسد لإقناع المجتمع الدولي بشرعية إدارتها الذاتية، بينما تعمل الحكومة السورية على استعادة كامل السلطة المركزية. هذا الصراع السياسي ينعكس على الملفات التالية:
- الاعتراف الدولي: تسعى قسد للحصول على اعتراف سياسي ولو محدود بإدارتها الذاتية.
- المفاوضات غير المباشرة: تدخل روسيا كوسيط بين الطرفين أحيانًا، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على مصالحها ودعم حلفائها المحليين.
- التمثيل المحلي: يطالب السكان المحليون بمشاركة أوسع في إدارة مناطقهم، بعيدًا عن الهيمنة المركزية أو العسكرية.
خامسًا: البعد الاجتماعي والإنساني
يدفع المدنيون ثمن الصراع العسكري والسياسي بشكل مباشر، إذ يعانون من:
- تراجع الخدمات العامة، بما في ذلك التعليم والصحة والمياه.
- التهجير الداخلي والنزوح نتيجة التوترات الأمنية.
- الاعتقالات المتبادلة بين قسد والأجهزة الأمنية السورية.
- التأثير النفسي على الأطفال والعائلات، وانتشار حالات القلق والخوف المستمر.
تستمر المنظمات الإنسانية في تقديم الدعم، لكن الظروف السياسية تعرقل وصول المساعدات إلى جميع المحتاجين.
سادسًا: الاقتصاد والنفط كعنصر صراع
تعتبر الموارد الطبيعية أحد أكثر عناصر النزاع تأثيرًا، حيث تعتمد قسد على النفط والغاز لتمويل إدارتها وخدماتها، بينما ترى الحكومة السورية أن هذه الموارد ملك لجميع السوريين. وتشمل القضايا الاقتصادية:
- تحصيل العوائد النفطية والضرائب المحلية.
- السيطرة على طرق التصدير والمنافذ التجارية.
- إدارة المياه والزراعة، خصوصًا في مناطق الفرات والحسكة.
- التأثير على الاستقرار الغذائي والقدرة الشرائية للسكان المحليين.
سابعًا: التدخل الدولي
الصراع بين قسد وسوريا لا يمكن فهمه دون النظر إلى التدخل الدولي:
- الولايات المتحدة: دعم مباشر لقسد عسكريًا وسياسيًا، مما يخلق توازنًا على الأرض ويحد من قدرة الحكومة السورية على استعادة السيطرة.
- روسيا: تعمل كوسيط سياسي وعسكري، تسعى للحفاظ على وحدة الدولة السورية وتقليل احتمالات التصعيد.
- إيران: دعم الحكومة السورية بالخبرات العسكرية والمعدات، مع التأكيد على الحفاظ على النفوذ الإقليمي.
- الدول الإقليمية: تركيا تلعب دورًا معقدًا، خصوصًا تجاه المكونات الكردية الحدودية.
ثامنًا: سيناريوهات المستقبل
يمكن تلخيص السيناريوهات المحتملة للصراع الداخلي في سوريا كالآتي:
- تسوية سياسية: تشمل اتفاقات بين الحكومة السورية وقسد على إدارة محلية موسعة مع ضمانات قومية وسياسية.
- استمرار الوضع الحالي: صراع بارد مع اشتباكات متفرقة، دون حسم كامل، مع استمرار التدخل الدولي.
- تصعيد عسكري: في حال تغيّر موازين القوى على الأرض، أو انسحاب القوات الأمريكية، مما قد يؤدي إلى مواجهات مباشرة واسعة.
تاسعًا: العبر والدروس
يبين الصراع الحالي عدة دروس مهمة:
- أهمية الحوار السياسي والاعتراف بالمكونات المختلفة لضمان استقرار الدولة.
- تأثير التدخل الدولي على الصراعات المحلية، سواء بالتهدئة أو بالتصعيد.
- ضرورة حماية المدنيين وضمان وصول الخدمات الإنسانية، كعنصر أساسي لتحقيق الأمن المجتمعي.
- أن الحل العسكري وحده لا يكفي، وأن الحلول المستدامة تتطلب سياسات شاملة وعدالة اجتماعية.
مسلح قصدي يفاوض الجيش على أن يبقى
شاهد هذا القسدي يفاوض الجيش العربي السوري ليسلم نفسه
خاتمة
الحرب الداخلية بين قسد وسوريا أكثر من مجرد صراع على الأرض، فهي انعكاس لأزمة عميقة تشمل الهوية، السيادة، الاقتصاد، والتدخل الدولي. ويبقى الأمل معقودًا على الحوار والوساطات الموضوعية التي تضمن تسوية عادلة ومستدامة، بعيدًا عن العنف والمعاناة المستمرة للمدنيين.